الاثنين 06 ابريل 2026

  • أسعار العملات
    العملة سعر الشراء سعر البيع
    الدولار الامـريكي 3.11 3.13
    الدينــار الأردنــــي 4.41 4.43
    الـــيــــــــــــــــــــــــورو 3.61 3.63
    الجـنيـه المـصــري 0.057 0.059

مسالك المعنى في ديوان (لا قيامة لك الآن)..للكاتبة / يسرا الخطيب

  • 14:49 PM

  • 2021-08-19

دراسة نقدية:الأستاذ الدكتور محمد حسونة:

التنقيب عن مسالك المعنى يستدعي الالتفاف من الداخل إلى الخارج في آن واحد، والداخل هو النصوص الشعرية التي تحملها اللغة الإبداعية، وأما الخارج فهو مخرجات ما قالته وما لم تقله هذه اللغة، وهذا الإنتقال يكون عبر دفقة نقدية متماسكة؛ أي غير مجزوءة أو مؤجلة في بعضها أو تدريجية متراتبة، والذي يحول بيننا وذلك عنوان الديوان ؛ "لا قيامة لك الآن" فهو يسلب اللحظة "الآن" عن فعل "القيامة" المسيجة بالجار والمجرور "لك". وهذا التسييج في ظني قد غيب استدعاء القيامة بدلالاتها الموغلة في التراث الديني الإسلامي، والذي يقربنا إلى ذلك  عمليات التنقيب في الداخل التي تبعدنا قليلًا أو كثيرا عن هذا التأويل وتقربنا إلى مدركات أخرى نائمة في لا وعي الشاعرة.

والتنقيب عن مسالك المعنى في أي نص عملية محفوفة دائمًا بالمخاطر،؛ لأنها معقدة ؛ لأنها تبحث في متواشجات غير قابلة للتجزئة ، فهي سبيكة تعبيرية موحدة تنتج معاني تأويلية غير محسومة ؛ لذا فإنه مطلوب منا إجراء عملية إستكشافية خاصة لإلتقاط بعض هذه المسالك من دون أن يحدث ذلك خدشًا أو هتكًا أو جرحًا في بقية المسالك الأخرى، ومن خلال هذه العملية الخاصة استطعنا اصطفاء المسالك الآتية:

1- الأماكن المتخيلة                      2 - الأماكن النحوية

3- الكائنات المتخيلة                      4 - الكائنات النحوية

والذي يسر لنا هذا الإصطفاء أنها تقانات سردية متخيلة تمثل خطوطًا دلالية بارزة في الديوان.

1. الأماكن المتخيلة:

الحديث عن الأماكن المتخيلة يطرح هذا السؤال..!! لماذا يلجأ المبدع إلى صناعة الأماكن المتخيلة ؟

الإجابة عن هذا السؤال سأجعلها إفتراضية انتظارًا لما ستقره عملية الانتقال من الداخل إلى الخارج وعليه فإنه يمكننا إفتراض الآتي:

انحسار ثقة المبدع في لأماكن التقليدية.

هدم الأماكن التقليدية وإيجاد بدائل لها وغالبًا ما تكون هذه البدائل مضادة أو لها خصوصيتها.

نوايا راقدة في لا وعي المبدع مكنته أو أملت عليه تشييد هذه الأماكن المخيالية.

عجز الأماكن الحقيقية عن تلبية النوايا النائمة في لا وعي المبدع.

تسريب رؤى لها سطوتها الضاغطة في لا وعي المبدع.

الرغبة في جعل هذه الأماكن ملكية خاصة.

وأما السؤال الآخر الذي تطرحه الأماكن المتخيلة فهو:

ما مدى اختلاف الأماكن المتخيلة في النص الشعري عنها في النصوص السردية؟

الإجابة عن هذا السؤال قد تكون قطعية وإن تكن غير ذلك فهي إجتهادية وسواء أكانت إجتهادية أو قطعية؛ فإنها لا تؤثر في مجريات البحث في مسالك المعاني، فتخيل المكان في الشعر أكثر صعوبة منه في النص السردي؛ لأنه ياتي في إطار أمكنة متراصة مترابطة ليس لها موازيات في الواقع وإن كانت متخيلة كما في النصوص السردية ، وهذا لا يعني أننا ننفي عن الأماكن المتخيلة في السرد صفة الترابط بل ننفي عنها صفة إنعدام الموازي لها في الواقع.

ومن خلال تنقيبنا في الأماكن المتخيلة باعتبارها مسلكًا من مسالك المعنى في ديوان " لا قيامة لك الآن" وجدنا أن إستنطاقها يقتضي منا أن نصنفها على النحو الآتي:

أماكن ذات إمتداد أفقي (تمدد) وهي:

"حواف الذاكرة، جوانب الروح، ثلج الفيافي، منتصف المسافة، أرصفة الموت، مسارات خائنة، خارج مدار النص، ظلال ممتدة، ممرات، بقايا حوائط، ضفاف اليقين، جيوب البراءة، مفاصل الخراب، بوابات اللجوء، الظل، أطراف الوجع، أجنحة الشوق، عيون ممرات المدن، متاهات الفوضى، دروب العارفين، ظلام الأخيلة، عتبات المد، عتبات الأمل، ممرات البياض، أجنحة الغمام، بوابة الروح، حافة الوعي".

من الضرورة أن نفهم أن هذه الأماكن لا يمكن التعامل معها على انفراد ،بل في إطار منظومة مكانية مترابطة حتى لو نشأ بينها أمكنة مضادة ؛ لأن هذا التضاد ليس من قبيل التنافر بل من باب التواشج والتلاحم.

فكما أن هذه الأماكن المتخيلة مترابطة على الرغم من التقابل بينها، فإن الدلالات الواردة لها في الديوان أيضًا متشابكة وإن بدت متنافرة.

الدلالات الواردة في الديوان هي "التيه، الهروب، الخذلان، التشظي، معلقة، إهمال، مراوغة، نزيف، هيام، موتى، رماد، مكب، أسر، إلقاء، نهاية".

الدلالات المضادة الواردة في الديوان هي " الوعي، القصيدة، المراقبة، البحث عن حياة مغلقة، إنتقال من الوهم إلى الحقيقة، تحليق، مقاومة".

إن  الدلالتين تقدمان حالة من التوازن النفسي عند الشاعرة فهي ما زالت في هذه الأمكنة الأفقية تمتلك الوعي والمقاومة.

أماكن ذات إمتداد رأسي (إنغراس)وهي:

"قاع الخيبات، هوة الفراغ، القامة، الداخل، سلة المهملات، فراغ الزجاجة، منحدرات، هوة، مسارات عميقة، توابيت الخراب، ظل طويل، الرمل المبلل، الرمل المحترق، عصا الذاكرة، عامود الكهرباء، شروخ عميقة".

هذه الأماكن كما قلنا سابقًا متشابكة على الرغم من التقابل بينها.

منها ما ينتج سربًا من الآلام تبدأ بالغرق وتنتهي بالصلب: "الغرق، الموت، الإتكاء، الخوف، تناثر الأحلام، إنتظار، دفن، إنكسار، رحيل، صلب".

في مقابل ذلك تتحرك محاولات لا تتعدى حدود الرغبة كما يأتي:

" رغبة في النجاة، رغبة في الإنعتاق، تجميع صورمهلهلة".

أماكن ذات امتداد رأسي أفقي (إمتداد، انغراس) وهي:

"جدران هشة، هباء، وسط النحيب، لوحة".

هذه الأماكن تسير في خط دلالي واحد يبدأ بالقيد والهجران وينتهي بالبحث عن راحة تتجلى في الموت .

أماكن ذات إمتداد دائري (الانغلاق) وهي:

"جهات أربع، فراغ أمنيات، جيوب السماء، مدارالأرض، شروق الشمس وزوالها، جدران، الفضاء، سياج، أرض، حيزالعتمة والنور، دائرة الضوء".

في هذه الأماكن تدور مجموعة من الدلالات في شكل دائري منغلق، مما يؤشر إلى الاستحكام وذلك على النحو الآتي:

"تقاذف، دوران، تساقط، نيسان، تأرجح أحلام ، سور ، صلب، خيبة، إنكسار ، تساقط".

تنحت الشاعرة في هذه الدائرة المكانية مكانين يوفران لها الحماية (السياج )والحضن( الأرض)ّ

وإعادة النظر في هذه الأماكن المتخيلة بأبعادها الأفقية والرأسية أو هما معًا والدائرية يلفتنا المكان الأبرز " حافة الوعي"؛ أي بداية الوعي وهي بداية أشرت إلى مكان آخر هو "عامود الكهرباء" لتجلية فكرة جاءت هنا مغايرة لدلالاتها الرمزية" التضحية والفداء من أجل الغير؛ لأنه كَون مكانًا مكانًا متخيلاً هو دائرة الضوء التي تقول عنها الشاعرة:

في دائرة الضوء المباغت

تتساقط الخيبات

تهطل علينا تباعًا

2. الأماكن النحوية المتخيلة وهي:

تلك الظروف المكانية التي لم يسطع انتماؤها إلى عالم النحو أن يجردها من مخياليتها؛ لأن جغرافيتها وتضاريسها في لا وعي الشاعرة، والذي يبدو لنا أن الشاعرة قد انسحبت من الأماكن التي أشرنا إليها سابقًا وصممت أماكن جديدة متخيلة محصورة ما بين (هناك، هنا، بين الهنا والهناك، أينما)، وهذا الأماكن رأسية أفقية أو كلاهما معًا ودائرية، ويبدو أنها اختزلت فيها الأوجاع" الإنتحار، الذبول، السقوط، القلق، النأي، الغربة، الرغبة في الموت، لا إستحقاقات"؛ في مقابل "الكتابة، التحدي، اختيار الحياة".

3. الكائنات المتخيلة:

نستهل حديثنا هنا بالسؤال عن دوافع إنتاج الكائنات المتخيلة في الأعمال الإبداعية ؟ الإجابة عن هذا السؤال ستكون إفتراضية في انتظار التنقيب الذي قد يصدقها أو ينفيها، ومن ضمن هذه الإفتراضات:

بناء شكل من أشكال الخرافة التي تعني صدقًا ذاتياً عند المبدع وحقلًا للفلاحة عند الباحثين.

عدم قناعة المبدع بالكائنات (الإنسانية) الحقيقية.

هدم منظومة كائنات حقيقية مستبدة.

إستبدالها بكائنات متخيلة منفية عنها صفة الاستبداد.

تسريب رؤى فكرية أو فنية أو فلسفية من خلالها.

وفي أثناء البحث عن كائنات متخيلة في هذا الديوان وجدنا أن الآلية التي إعتمدتها الشاعرة في صناعة هذه الكائنات هو آلية التشخيص، هذا بالإضافة إلى تنوع مصادر تكوينها ، فكانت الطبيعة التي كونت منها شخصيات مضيئة وأخرىمعتمة ، والزمن الذي أنتج مضيئة وأخرى معتمة، وكذلك من ممتلكات شخصية منها المعتم والمضيء ومن الأضداد ومن صفات منها الصمت.

والذي برز في هذه الكائنات المتخيلة على صعيد الطبيعة:

ثلج ساخن / فالثلج كما هو معلوم يعني بداية حياة جديدة وقد بدا ذلك من خلال رفد الشاعرة له سلوكات إيجابية ولكنها ظلت في إطار الأمل، وذلك على النحو الأتي:

"الثلج، فعل غريب، يلامس، ينبه، يمحو، يغسل، يكسو، يهدهد، يثور، ينفر، يتفق،....يروينا أملًا".

وأما على صعيد الكائنات المتخيلة من الزمن فكانت السطوة للتاريخ والذي سار في خط دلالي على النحو الآتي:

"يقلق، يحملق، يزاحم، يبدد، يصادف، يستفز، يطارد، يتعقب، يستعجل، يباغت، يفسد، يهزمني، يرهبني، يزيد من غربتي، يفاجئني، يهمل، يمر، يلقى، يغتال".

ومن الكائنات المتخيلة الضد الشائك الذي سار في خط دلالي:

"يؤرجحنا، يعري الصمت، يلزمني اللجوء، يلقينا على حافة الوعي، يصلبنا".

وآخر هذه الكائنات المتخيلة من السلوك: الصمت الذي يسير في خط دلالي :

" يغربل الوقت، يعري الصمت، يلزم، يحتوي، يستوعب، يبتلع زقزقة العصافير ".

فالملحوظ أن هذه الكائنات المتخيلة قد أحكمت دائرة الاندثار والموت؛ فقد سارت معًا في خط دلالي واحد:

" الاغتيال والصلب وخطف الزقزقة، وهذا الخط الدلالي قد قوض فعل الثلج وحصره في التمني والأمل.

الكائنات النحوية:

وهذه الكائنات إنحسرت في ضمير التكلم(تاء الفاعل، ياء المتكلم، نا الفاعلين) في مقابل (ضمير المخاطب المفرد، والغائب هو، والمخاطب أنتم، والغائب هم).

ويبدو أن الشاعرة قد سحبت الكائنات المتخيلة بعد الخط الدلالي لها والذي كما أشرنا قد تمثل في الإغتيال والصلب والابتلاع وبالتالي انطفاء الأمل الذي زرعه الثلج وعملية السحب هذه قد جعلت الشاعرةفي مواجهة الآخر.

كلمات دلالية

اقرأ المزيد

تحقيقات وتقارير

ثقافة وفن

مساحة اعلانية

آراء ومقالات

منوعات