غزة - " ريال ميديا ":
أعرب مركز غزة لحقوق الإنسان عن بالغ قلقه إزاء التدهور البيئي والصحي غير المسبوق في قطاع غزة، إذ وصل الوضع إلى مستويات كارثية تهدد حياة مئات الآلاف من النازحين والمواطنين، جراء تداعيات العدوان العسكري والحصار الإسرائيلي المتواصل.
وأوضح المركز في بيان له، الأربعاء، أن فريقه الميداني رصد تفشياً واسعاً للقوارض (الجرذان والفئران) والحشرات الضارة، بالتزامن مع استمرار سياسة الحصار الخانق ومنع دخول المستلزمات الأساسية لمكافحة هذه الآفات.
وأكد أن أزمة النفايات في غزة باتت من أشد الأزمات البيئية حدةً في تاريخ المنطقة المعاصر، إذا يتراكم 900 ألف طن من النفايات منذ أكتوبر 2023 حتى ديسمبر 2025، وفق تقرير UNDP. كما تشير مجموعة WASH الأممية إلى وجود أكثر من 340 ألف طن من النفايات قريبة من مناطق إيواء النازحين، في وقت يقدر برنامج الأمم المتحدة للبيئة UNEP وجود 40 مليون طن من الركام الناتج عن تدمير المباني في القطاع.
وتمنع إسرائيل عمليات نقل النفايات إلى المكبات الرسمية الموجودة داخل نطاق المنطقة الصفراء بموجب التقسيم وفق اتفاق وقف إطلاق النار، فضلا عن تدمير أو مصادر أكثر من 100 آلية من آلايت جمع النفايات، وما تبقى يحتاج إلى صيانة أو زيوت ووقود غير متوفر.
وشدد المركز الحقوقي على أن هذا الحجم الهائل من النفايات المتراكمة في محيط خيام النازحين ومراكز الإيواء لا يمثل مشكلة بصرية أو مصدر روائح فحسب، بل هو وقود لكارثة وبائية وشيكة، ويشكّل منظومة متكاملة لتوليد الأمراض الجلدية والمعوية والجهازية.
ووثّق المركز شهادات مواطنين يعيشون في مخيمات النازحين يصفون كيف باتت القوارض تشكّل خطراً يومياً حقيقياً على أرواحهم وما تبقى من غذائهم:
تقول المواطنة عالية السيد (33 عاما): “زوجي اشترى سُمّ فئران لكنه لا ينفع. الوزغ يجر الفخاخ بعد أن يأكل الطعم. ما يؤلمني هو أننا اشترينا كيلو دقيق بسبعين دولاراً في ذروة المجاعة — كيف أرميه وقد وصلت إليه الفئران؟ لقد عشنا على دقيق مليء بالسوس. كل ليلة أسهر لأخيط الخيمة من جديد لأن الوزغ يمزقها. أريد فقط أن أنام بسلام.”
أما أكرم أحمد من خان يونس فيقول: “الجرذان تقفز فوق الأطفال في الليل وتُرعبهم. ليست المشكلة في الخوف فقط — هي تأكل الطعام القليل الذي نملكه وتتلف الملابس. نعيش تحت سقف متهالك ولا مفرّ من هذا الغزو.”
وتقول عائشة حميد في مواصي خان يونس: “في كل المخيمات نعاني من حشرات لاسعة، وخاصة البراغيث. أطفالنا يتألمون من الحكة والوخز الشديدَين. حاولنا علاجها بطرق بسيطة، لكن الأدوية الصحيحة غير متوفرة في المركز الصحي.”
أما محمد أبو عيسى فيقول: “يجب أن تنقل هذه النفايات بعيدا عن الناس، لا حل آخر، ماذا ستسبب؟ ستبب أمراض وفيها تنتشر القوارض التي باتت تغزونا بشكل مخيف ولا يوجد سموم أو سبل فعالة لمكافتحتها”.
وعلى الصعيد الطبي، حذّر الدكتور بسام زقوت، مدير الإغاثة الطبية في غزة، من أن داء الليبتوسبيرا — الذي ينتقل عبر بول الجرذان — بدأ يتحول من مخاوف نظرية إلى واقع ملموس في المخيمات.
وأشار إلى أن دراسة ميدانية نشرتها دورية Public Health نشرت عام 2025 أن تدمير البنية التحتية للصرف الصحي وتراكم المخلفات والركام قد خلق بيئة مثالية لتكاثر الذباب والبعوض والبراغيث والفئران، في ظل غياب تام لأدوات مكافحة الآفات.
وأكد المركز الحقوقي أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تواصل حظر دخول المبيدات والسموم اللازمة لمكافحة القوارض بذريعة «الاستخدام المزدوج»، وهو ما يفسره المركز باعتباره توظيفاً ممنهجاً للوباء البيئي أداةً من أدوات الضغط على المدنيين.
وأشار المركز إلى أن المادة (55) من اتفاقية جنيف الرابعة: تُلزم القوة المحتلة بضمان تزويد السكان بالمؤن الطبية والإمدادات الضرورية لصون الرعاية الصحية العامة، وهو ما تنتهكه سياسة الحصار الممنهج. كما أن الحق في الصحة والحق في بيئة نظيفة: كلاهما من حقوق الإنسان الأساسية المكفولة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.
وشدد على أن الحرمان المتعمد من أدوات مكافحة الآفات وتدمير منظومة إدارة النفايات يشكّلان نمطاً ممنهجاً من العقاب الجماعي المحظور بموجب اتفاقيات جنيف. كما أن خلق ظروف معيشية غير قابلة للحياة هو من أفعال الإبادة الجماعية بهدف فرض التهجير القسري الصامت بما يتعارض مع القانون الدولي الإنساني وأحكام نظام روما الأساسي.
وطالب مركز غزة لحقوق الإنسان المجتمع الدولي بالضغط الفوري لفتح المعابر وإدخال المعدات الثقيلة لجمع النفايات ونقلها.
كما طالب بالسماح بإدخال المبيدات الحشرية وسموم مكافحة القوارض المخصصة لأغراض الصحة العامة، ودعم إنشاء مكبّات مؤقتة آمنة وتوفير الوقود اللازم للآليات القليلة المتبقية.
ودعا منظمة الصحة العالمية ووكالات الأمم المتحدة إلى إرسال فرق فنية متخصصة عاجلاً لتقييم المخاطر البيئية وإجراء مسح ميداني للأمراض المنقولة بالقوارض، وتوفير اللقاحات والأدوية اللازمة لمواجهة الأوبئة المتوقعة (داء الليبتوسبيرا، الكوليرا، الجرب، التيفوئيد).
وحث الجهات المانحة والمؤسسات الإنسانية الدولية على ضخ تمويل عاجل لتغطية الفجوة في تمويل برامج إدارة النفايات، ودعم البلديات المحلية في الحفاظ على ما تبقى من منظومتها التشغيلية وإعادة تأهيل فرق النظافة.
